بدأت الحرب شمالًا، وفي آخر المطاف أصبح الجنوب وحامله السياسي هو المشكلة، ويجب استبداله، بعد أن كان أحد ركائز العملية العسكرية والسياسية، والمعترف به إقليميًا ودوليًا.
شكّل هذا الإجراء صدمة لشعب الجنوب، بينما كانت القوى السياسية الأخرى المناهضة للمجلس الانتقالي، جنوبية كانت أم يمنية أو غيرها، تنتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر.
فهل يُعقل التلاعب بتضحيات الجنوب بهذه البساطة؟ وكيف يمكن النظر إلى المشهد السياسي والعسكري الذي بدأ بمحاربة ذراع إيران في اليمن وإعادة الشرعية إلى صنعاء، وانتهى إلى أن أصبحت أذرع إيران تحظى بالرعاية من قبل الشرعية والتحالف، بينما لم تعد الشرعية تهتم بموضوع العودة إلى صنعاء، وأصبح الجنوب هو الهدف الأساسي، وهو في الوقت ذاته الضحية؟
ما لكم كيف تحكمون؟
إن شعب الجنوب لا يقبل أن يتحول إلى ضحية، أو أن تُباع تضحياته لتسوية أوضاع طرف أو عدة أطراف على حسابه، أو أن يكون طرفًا في نزاع إقليمي وصراعات متعددة.
ولمن لا يعلم، فإن لدى الجنوب قضية واحدة يناضل من أجلها، وهي فك الارتباط بالوحدة الفاشلة، أما حرف الصراع وإدخاله في قضايا أخرى فلن ينطلي عليه ذلك إطلاقًا.
ولا يُعقل أن تتبدل المعركة من معركة استعادة الدولة اليمنية في صنعاء إلى معركة ضد الجنوب. وأعتقد بأن هناك قرارات دولية لا تزال قيد التنفيذ، مثل القرار 2216 وغيره من القرارات. فأين أصبحت هذه القرارات؟ وهل تخلت الشرعية عن هدف استعادة شرعيتها في صنعاء؟ وهل غيّر التحالف الهدف الذي جاء من أجله، وأصبح الجميع يتجه نحو الجنوب؟
كيف يمكن محو نضالات شعب الجنوب لأكثر من ثلاثة عقود بهذه البساطة؟ وما هي عقدة حضرموت التي كانت الشرارة التي فتحت النيران على القوات الجنوبية فيها؟ وكأن التحالف لا يعلم أن تلك القوات كانت متجهة إلى حضرموت، وكان بإمكانه إيقافها قبل انطلاقها بدلًا من أن تتحول الأمور إلى مجزرة تقلب موازين القوى لصالح الأطراف اليمنية.
وإذا افترضنا وجود خلاف مع قيادة المجلس الانتقالي، فكان يمكن معالجة أي خلاف بطرق مسؤولة، وهي كثيرة، وليس بالذهاب إلى محاولة إيجاد بديل عنه. فالتحالف يعلم أن هذا المكون تشكل بإرادة شعبية، وليس لأحد الحق في إلغائه إلا بإرادة شعبية.
والسؤال: لماذا يُفكك الجنوب بحجة إجراء حوار بين مكوناته؟ وهل الشمال وضعه على ما يرام؟ وإذا كان كذلك، فلماذا الحرب؟
إن الحل المعقول والمنطقي هو وقف إجراءات تفكيك الجنوب، وإعادة النظر في الإجراءات التي تمت، والدعوة إلى إجراء حوار شمالي–شمالي موازٍ للحوار الجنوبي، تحت إشراف دولي، للخروج بتوافق يحقق السلام في المنطقة.
حتى الحوثي طالب بخروج ما سماها «دول العدوان» من الجنوب، فمَن يقصد بذلك؟ فالسعودية لديها تفاهمات معه، وبحضور سلطنة عُمان، بشأن خارطة طريق، وحسب ما نسمعه من وسائل الإعلام، فقد جرت محادثات بينهما في الأردن وفي الرياض. فكيف يمكن تفسير ذلك، بينما لا يزال الحوثي يتعمد اختراق الجبهات الجنوبية، في حين تغط جبهات الشرعية في سبات عميق، ولم نسمع حتى قرقعة طلقة واحدة؟
واليوم يعلن الحوثي التعبئة العامة، ومن الواضح أنه يتجه نحو الجنوب. فكيف يحدث هذا، في الوقت الذي تتبادل فيه الشرعية والتحالف اللقاءات والوفود معه؟ وهل ما يجري من قتال في الجبهات الجنوبية لا يعنيهم؟
فهمونا، لماذا يتحمل الجنوب كل هذه الضغوط الهائلة؟ شعب يعيش بلا خدمات ولا مرتبات، ولديه ثروات طائلة، بينما تنفق الشرعية الفاسدة ببذخ شديد على تحركاتها غير المفيدة، وعلى حاشيتها، وكأنها ليست في حالة حرب.
وأعتقد جازمًا بأن فرصة المراجعة لا تزال قائمة، فنحن نراهن على العقلاء الذين بيدهم إدارة الملف اليمني، بالعدل والإنصاف، وبرؤية استراتيجية تراعي مصالح شعوب المنطقة، بعيدًا عن معالجة الأوضاع بمنطق المصالح الذاتية والآنية، التي سيكون مصيرها الفشل ومزيدًا من الانقسامات، وستكون كلفتها باهظة على الجميع.
وأخيرًا، همسة في أذن السياسيين الجنوبيين: اتركوا المماحكات فيما بينكم، فرأس الجنوب مطلوب، فهو رأسكم أيضًا. وفي النهاية، إن لم تكونوا عونًا للجنوب، فلا تكونوا أحصنة طروادة تتسبب في هزيمته. واتعظوا بمن سبقكم، سواء من سلّم الجنوب على طبق من ذهب سلمًا، أو من كان رأس حربة لإعادة الجنوب إلى باب اليمن حربًا، فمصيرهما ماثل أمامكم، ولن تقدموا أكثر مما قدم أولئك.
فاتقوا الله في شعب الجنوب، وعودوا إلى رشدكم.